اللمة المغربية النسائي
اهلا وسهلا بوردة الدار عطرت وانرت منتديات اللمة المغربية
اسمحي لنا ان نكون لك صديقة واخت ,المنتدى يسعد بانضمامك الينا فلا تبخلي علينا بالفائدة املين ان تستفيدي معنا وان ينال المنتدى وطاقمه رضاك واستحسانك
رمضان كريم


اللمة المغربية غير عند لالامولاتي<<< للنساء فقط>>>
 
الرئيسيةبوابة اللمةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التحوُّل الروحاني: المفهوم والتطبيق -الصلاة والدعاء والتأمل

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ayanora
مشرفات
مشرفات
avatar

الجنس : انثى عدد الرسائل : 607
العمر : 25
نقاط : 1706
تاريخ التسجيل : 06/07/2012

مُساهمةموضوع: التحوُّل الروحاني: المفهوم والتطبيق -الصلاة والدعاء والتأمل   الجمعة 31 أغسطس 2012, 03:22

نقرأ في معجم اللغة أن كلمة التأمل تعني حالة من التفكّر العميق المتواصل في جو من الهدوء والسكون والوقار والإجلال. وهو تعريف يوحي إلينا مباشرة بمقدرتنا على أن: نعرف ونفكّر ونتأمّل ونكتسب الفهم والإدراك والوصول إلى الحقيقة. وحيث إن عملية من التأمل كهذه تعدّ جانباً لا غنى عنه في الوجود الإنساني، فإن التأمل والتفكر إذن هو عملية إنسانية. وحتى نقوم بها نحتاج إلى توفير جوٍّ من الصمت والسكون والهدوء، وأن تتجلى في تلك اللحظة قدرتنا على إبعاد أنفسنا عن الإهتمامات اليومية المعتادة، ثم نبدأ في تقييم أنفسنا ومساءلتها والخروج بالإجابات الصادقة.
على هذه الشاكلة مبدئياً تتم الإكتشافات العلمية، وبها توضع الحلول للمسائل المحيِّرة، ويتم التوصل إلى إجابات للتساؤلات، ثم تتحقق رؤية جديدة. فالتأمل في السياق الروحاني هو التفكر بعمق بمواضيع لها ارتباطها في الوصول إلى الحقيقة وتحقيق الوحدة والقيام على الخدمة وهذا ما يشمل أغلب مناحي الحياة. وفي هذا السياق نسأل أنفسنا كيف يمكن أن نصبح أكثر عدلاً ومحبةً وأكثر استنارةً ومساعدةً للآخرين، وأكثر اتساعاً في وعاء عقولنا ليسع العالم كله. علينا أن نتساءل ما الهدف من الحياة وكيف نحققه. وقد يجنحُ أحدنا إلى اتجاه معاكس محاولاً إيجاد الإجابات لتساؤلات من قبيل: كيف ننجح ونُبْدِع في خداع الآخرين، وكيف نتسلّط عليهم، كيف نقتل ونثأر وننتقم، كيف نخالف القانون ونتهرب من عقوبته. فكلا الوجهين يأتيان من التأمل والتفكر. أما الطريق الثالث الذي يستعمل الإنسان فيه مقدرته في التأمل فهو التفكُّر في كيفية إشباع رغائبنا انسياقاً وراء شهواتنا النفسية. فالتأمل في سياق التحوُّل الروحاني إنما يركّز دوماً على الخيِّر وما هو خلاّق وبنّاء ومعزِّز للحياة وصادق وأمين وعادل وجميل. وعليه، فإن التأمل الروحاني يتطلب الإنضباط ونحتاج فيه إلى العون والمساعدة. فهو لا يأتينا من نفسه تلقائياً، وأعظم عون نتلقّاه للتأمل الروحاني يأتينا من القيام بالصلاة والدعاء والإبتهال.
فبينما التأمل له صلته المباشرة بقدرتنا على المعرفة، فإن الصلاة والدعاء لا غنى عنهما لقدرتنا على المحبة، وفيهما نتصل بذروة هدفنا في المحبة. فالصلاة إنما هي حديث المحبة، والمحبّ فيها يتضرع بكل حرقة لمحبوبه متوسلاً بكل خضوع راجياً محبته وبركاته. ففي السياق الروحاني فإن المحبوب هو الله سبحانه وتعالى – مصدر كل الحقيقة والمحبة والعون. وعليه، فإننا بالصلاة نُشعل أرواحنا بنار المحبة ونفتح عقولنا وقلوبنا، ونجذب إلينا قلوب الآخرين، ونساهم في تأسيس علاقات متبادلة من المحبة والصدق والخدمة.
كثير من الناس لديهم موقف سلبي ويتردّدون في القيام بالصلاة والدعاء، بحجّة أنهم عندما كانوا يدعون بكل صدق وحُرقة طالبين شيئاً محدداً من الله، فغالباً ما يخيب أملهم في تحقيقه. فقد ندعو ونصلّي طلباً للشفاء ثم يموت المريض، ونطلب المال ونبقى في فقرنا، ونسأل النجاح فنفشل. إن موقفنا السلبي الذي كوّناه عن الصلاة والدعاء يرجع إلى عوامل مرّت بنا في مرحلة الطفولة فردياً وجماعياً. فالعلاقة الناضجة مع الله تستدعي الإحساس المرهف في استعمالنا قدراتنا في المعرفة والمحبة والإرادة. فالصلاة في شكلها الكامل يجب أن يقترن القول فيها بالعمل. وعليه، فإن الشفاء لا يتحقق بالدعاء والصلاة فقط، ولن يستفيد المريض المهزوم داخلياً واليائس من أي علاج طبي حتى لو صلّى ودعا. ذلك لأن قوة الإرادة ومحبة الحياة والتوجه المنطقي نحو العلاج هي الأسس الهامة لحصول الفائدة المرجوّة. فالدعاء والتأمل يضعانا في حالة إيجابية تجاه المرض، ثم نبدأ في السعي نحو أفضل علاج متاح. إلا أنه رغم كل ما نؤدّيه من صلاة ودعاء وعناية طبية لازمة نجد الكثير يموتون.
هنا يكتسي الدعاء أهمية أخرى؛ فالتأمل بالخسارة وأسبابها ليس من شأنه أن ينير أفكارنا من جديد حول أجَلِنا فحسب، بل يساعدنا في البحث عن أصناف جديدة من العلاج، ويطوّر معرفتنا الطبية ويعلّمنا كيف نقاوم المرض. أما التفكير بالخسارة والموت فإنه صعب جداً ما لم نجد المؤازرة من القوى المنبعثة من الدعاء والإبتهال بوصل أنفسنا بمصدر العلم والمعرفة ونسأله تعالى المزيد من البصيرة والتبصّر. وبالرجوع إلى الوراء في تفكيرنا نجد في كثير من الأحيان أن دعاءنا قد استُجيب له حقاً.
فلو تركنا جانباً هذه الأمور العملية لوجدنا أن الدعاء له أهمية أكبر بطريقة أخرى. فرغم كل الإعتبارات فإن الإنسان يُعتبر وحيداً. نعم، تجمعنا بالناس روابط الزواج، والعائلة، والصداقة... إلخ. ومع ذلك نبقى لوحدنا في أعماق أفكارنا ومشاعرنا الخاصة. فكم تُقْنا إلى مشاركة الآخرين بها ولم نقدر؛ فإما لعجزنا عن إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عن مشاعرنا، أو لم نجد من يستمع إلينا أو أن شجاعتنا خانتنا. إلا أننا قادرون فعلاً على إشراك خالقنا معنا في كل شيء وفي جميع الأوقات. فلو قام كل فرد منا بالصلاة والدعاء بانتظام، وكلنا لنا مثل هذه التجارب، سنجد أنفسنا متّحدين بفضل القوى الروحانية المنبعثة من وعينا، ونشعر بدرجة عميقة من التآخي والترابط. وعندها تكون الصلاة والدعاء قوة فعالة للوحدة والوصول إلى الحقيقة في هذا العالم. فهي التي تؤلّف بين القلوب والعقول وتجمعها. فعندما يدعو الناس من أجل السلام والعدالة والحرية والمساواة، فإن أمواجاً جديدة من الوعي ترتفع في محيط الضمير الإنساني جالبة معها مزيداً من الوحدة والإتحاد والأمان والإطمئنان. بهذه الطريقة يغدو الدعاء عملاً يؤدي خدمة للآخرين ويدفعنا إلى ترجمة أقوالنا إلى أفعال وأفكارنا إلى أعمال.
كثيراً ما حيّرني ذلك التشابه الكبير الذي أراه بين عمليات العلاج النفسي من جهة والدعاء والتأمل من جهة أخرى. ففي العلاج النفسي يغرق المريض في تفكير عميق ومستمر وهو ما يُعتبر تأملاً، وكذلك الأمر مع المريض الذي يعاني من آلامه فيتوسل إلى الطبيب أن يريحه ويشفيه، وهو عمل طابعه دعاء وابتهال. إنه ليس بالأمر العجيب لأن المعالِجين يمكن اعتبارهم كهنة الحضارة المادية التي خلقناها، وعياداتهم هي الحرم والملاذ وخُلوة الإعتراف والمنبر في آن معاً. فالمعالِج يبحث عن قوة خفية وكامنة فيه وفي المريض علّها تساعده؛ وقد تكون النتيجة مرضية أو سيئة.
الصيام والإنضباط الأخلاقي
أشرنا في بداية هذه المقالات أن الإنسان يقع على الخط الفاصل بين المادي والروحاني في هذا الوجود (في نهاية المرتبة الجسمانية "النقائص" وبداية المرتبة الروحانية "الكمال"). فمن جهة نحن كائنات مادية عضوية خاضعة لقانون الطبيعة، وفي الأخرى مخلوقات روحانية قادرة على المعرفة والمحبة والإرادة وهي القابليات الروحانية والخصائص اللازمة لوعينا وإدراكنا. وقلنا بأن الوعي هو حقيقة بحدّ ذاته، والحياة هي نتاج وجود تلك الحدود المشتركة بين الوعي والمادة. أحد جوانب الحياة نشاهده في حالة الشدّ والتوتّر الحاصلة بين ما هو غريزي راجع للجسد وروحاني تابع للروح. فالحضارة الإنسانية إذن هي نتاج هذا التوجه المزدوج، وما تتمتع به البشرية من إنجازات وما تعانيه من إخفاقات راجع إما إلى انتصار جانبنا الروحاني أو الغريزي (المادي).
وحتى ينتصر الجانب الروحاني، ويحلّ البذل والعطاء محلّ الجشع والإستئثار، والمحبة محل الحقد والكراهية، علينا أن نتعلم كيف نضبط غرائزنا وشهواتنا شبه الحيوانية، وأن نتحكّم بالنزعة نحو العنف والعدوانية ونستبدلها بفضائل الحقيقة والوحدة والخدمة. فقيامنا بأفعال روحانية في جوهرها مثل الصيام، الذي يتطلب منا قهر النفس ومشتهياتها وانضباطها، له مِثْل النتائج الإيجابية في تحقيق اهدافنا الرئيسة في انتصار الجانب الروحاني.
فالصيام رمز لانضباط النفس، وبه نقترب من حقيقة أنفسنا. يُرينا بأننا أقوى من شهواتنا، ويُظهِر لنا مدى قدرتنا على تحمّل الجوع، وفي الوقت نفسه يتيح لنا الفرصة أن نلمس عملياً معاناة الملايين من جياع العالم. في صيامنا الطوعي بكل إطاعة حبيّة نمتلك الفرصة على كسره والإفطار، بينما جياع العالم يصومون حتى الموت ولا خيار لهم. فالصيام إذن مجموعة من المشاعر الإنسانية الحقة ومن شأنه أن يعيدنا ثانية إلى وعينا بالوحدة الأساسية للبشرية جمعاء.
إن الصيام وأحكام روحانية أخرى مثل تحريم الخمر والكحول وكل ما يذهب به عقل الإنسان له تأثيره العميق على حياتنا وصحتنا الجسمانية أفراداً ومجتمعات. ففي عالمنا المعاصر نعيش، مع الأسف، تبِعات الإفتقار لا بل خلوّ الحياة من هذه الفضائل الروحانية، إذ تجد البشرية نفسها أمام تحديات كبيرة برزت في العقد الأخير من القرن العشرين، وأكثرها خطورة ظاهرة الإدمان على المخدرات بأنواعها والكحول. لقد فتك الكوكايين وعصاباته بأعداد هائلة من الناس ودمّر حياة الملايين، وأصبح تجّار المخدرات ومدمنوها في العالم عملاءَ الجريمة وصانعي الموت، وغدت الكحول سماً لا يقتل شاربه فحسب، بل ويدمّر العائلات والنشاطات التجارية حتى أنه يمتد إلى عدة أجناس بشرية ويفتك بهم بلا هوادة. لذا فإن أي حكم روحاني يحرّم شرب الكحول والمخدرات – إلا للإستعمال الطبي فقط – لا يمكن أن يُعَدّ انتهاكاً لحريتنا الشخصية بل درعاً واقياً يؤمّن لنا التمتّع بالحرية التي تنفعنا. إن مفهومنا للحرية مشوّه تماماً عندما نعتبر أن فرض الأحكام الروحانية يتنافى والحرية الشخصية، إذ يجب أن نؤمن حقاً أن الحرية لن تدخل أرضاً تغيب عنها القوانين والأحكام، لأنها تغدو مرتعاً للهرج والمرج وحاضنة للفوضى والإضطراب.
فالصلاة والدعاء والصيام إنما هي شعائر روحانية تعبّر عن المحبة الصادقة وأفعالها التي ندرك بعضها ونلمسه ونعيشه. فلنأخذ مثلاً كيف أن الوالديْن يؤْثِران البقاء جوعاً عند الضرورة لمنح الطعام لأولادهما بكل فرح وسرور. أليس هذا من مظاهر المحبة المجرّدة! وهذا ما ينسحب على عملية الصيام نفسها أيضاً مع فارق بأنه يتم في ظروف عادية نعبّر فيها عن محبتنا لخالقنا في إطاعة أوامره.
الخدمة والتضحية
إن الإعتقاد السائد عن مفهوم الخدمة يضعنا في دائرة القلق. فهو ينظر إلى الإنسان فيها، بشكل عام، على أنه خادم أو عبد لشخص آخر في علاقة غير متكافئة. وهناك بالطبع مفهوم آخر للخدمة على أنها عمل وواجب يُؤَدَّى للغير من قبيل الخدمات المهنية، وخدمات الصيانة، أو الخدمات العامة. إلا أن للخدمة في جوهرها تعريفاً آخر. فهي تعني؛ الإحترام والتقدير، التنبُّه والإنتباه، ثم التفاني والإخلاص كما الحبيب لمحبوبته. هذا هو التعريف الذي نعنيه بكلمة الخدمة التي توضع في سياق قدرات الإنسان في المعرفة والمحبة والإرادة. فالخدمة إذن هي استخدام الفرد إرادته في القيام بأفعال تفوح وحدة واتحاداً وصدقاً وأمانة، وهو ما يتطلب درجة عالية من نكران الذات، وإدراكاً عميقاً للأسس التي تقوم عليها وحدة العالم الإنساني، وإخلاصاً مطلقاً لمبدأ الحق والحقيقة. والأهم من ذلك فإن الخدمة هي انعكاس تام لمدى فهمنا وقبولنا لحقيقة ذاتنا وطبيعتها. فبقدر حرصنا ورغبتنا على تطوير صفاتنا الإنسانية وتنميتها يكون مقدار انخراطنا في أعمال تأخذ طابع الخدمة.
إن كلمة التضحية باللغة الإنكليزية "sacrifice" لها جذورها في الكلمة اللاتينية "sacrificium" التي تتكوّن من مقطعين "sacer" وتعني "مقدس"، و"facere" وتعني "أن تعمل". فالتضحية إذن هي عمل من أجل التطهير والتقديس.
في رحلة حياتنا تجدنا نكتنز الأموال والممتلكات، ونسعى إلى تبوُّئ المراكز والنفوذ بأشكاله والفوز بالمحبة، ثم نصل بكل ذلك إلى درجة التعلق بها فنضعها داخل قلوبنا وعقولنا ونغلق عليها، وكلما ازداد حرصنا وتعلُّقنا ازداد إحكامنا في الإغلاق ونصبح أنانيين تدور حياتنا حول محور ذاتنا، لنجد أنفسنا بعدها فريسة الخوف من فقدان ما نملك فنزداد قلقاً وحرصاً وأنانية.
أتذكر عائلة متوسطة الحال كان الأبوان والأولاد فيها يعيشون حياة سعيدة. فبيتهم مفتوح للجميع في كل الأوقات، والأصدقاء يمرّون بكل حرية لإلقاء التحية عليهم ومعهم أصدقاؤهم لتناول الشاي أو القهوة ثم يغادرون. وأحياناً كنا نُعدّ كعكة ونأخذها معنا إلى ذلك المنزل حتى نشارك العائلة بتناولها في جو من البهجة والسرور. لم يكن بيننا أي مظهر من مظاهر التكلّف أو الغرور، بل إحساس قوي بالوحدة والألفة. ثم حدث بعد ذلك أن فازت العائلة بمبلغ كبير من المال في اليانصيب، فانقلبت أمورها بالكلية بين ليلة وضُحاها؛ انتقلوا جميعاً إلى منزل شبيه بالقلعة وعيّنوا لهم حرّاساً، وأصبحوا لا يجيبون على الهاتف بل يسمعون مكالماتهم من ألة التسجيل الخاصة، وأصبح من المُحال التكلم معهم أو إليهم أو حتى رؤيتهم. وبعد عدة سنوات علمنا بأن الأسرة تفكّكت؛ فالزوج عانى من التوتر والإكتئاب، وانتاب الزوجة حالات من العصبية والغضب وأصبح من المتعذر التقرب إليها، والأطفال الذين أصبحوا ضحايا الترف والدلال نراهم أنانيين بشكل عام وغير مهيأين لإقامة علاقات سليمة ومريحة مع الآخرين أو فيها ثقة متبادلة، ثم فُصلوا من مدارسهم. فالعائلة الآن في ثراء مالي كبير إلا أنها في فقر مدقع من كل شيء له قيمته الحقيقية في الحياة.
حين تأمّلتُ في هذه الحالة وجدتُ فيها شيئاً واضحاً تماماً: لم يكن ثراؤهم الجديد مُزَكّىً ومباركاً. فكل ما نمتلكه يجب أن نحرص أن يكون طاهراً طالما كنا نفوساً روحانية. ولكن كيف يفعله الفرد؟ هل التبرع للمشارع الخيرية يزكّي ما لدينا ويجعله طاهراً؟ وماذا لو أنشأنا مؤسسة خيرية تؤدي خدمات عامة تخليداً لإسمنا وذكرانا؟ إن الأعمال الخيرية مهما كانت ممدوحة نادراً ما تجعل أي شيء طاهراً. ذلك لأن عنصرالتضحية هي التي تطهّره وتباركه، والتضحية تتطلب منا أن نكون مستعدين لخسارة أي شيء مطلوب وتركه وراءنا بأي شكل من الأشكال. من الطبيعي أننا لا نستطيع التحكم بوقت وفاتنا، وما يمكننا تقريره والتحكّم فيه هو حياتنا: لماذا نعيش، ولأي هدف، وبأي أسلوب، والنهاية التي نتمناها لأنفسنا. فإذا نظرنا الحياة من هذا المنظور سنجد أن التضحية هي التي تُحيل حياتنا إلى نوعية لا تسبب لنا الحسرة ساعة الموت على ما فرّطنا به من أعمال طيبة طاهرة، ومحبة صادقة مجرّدة تزكّي كل ما لدينا وتجعله طاهراً. هذا هو لبّ التحوّل الروحاني.
في صلب التضحية يتربّع عنصر الشجاعة في قول الصدق والحق والحقيقة، والتحلي بالإرادة في إحراز فضيلتَيْ صنع الوحدة مع الآخرين والقيام على خدمتهم. نعلم جميعاً مدى الحاجة إلى الشجاعة في الوقوف إلى جانب الحق والحقيقة، ولهذا نميل أحياناً إلى الكذب الخفيف لأننا نعلم أن الحقيقة تُلزمنا بالتضحية، والتضحية لها ثمنها. قد يسألنا صديق: ’هل معك عشرون دولاراً؟‘ فنجيب أحياناً ’لا.‘ لأننا لا نرغب في التفريط بأموالنا. وقد يسأل شخص أبيض البشرة في جنوب إفريقيا: ’هل تعتقد أن السود أقل درجة من البيض ويستحقون هذه المعاملة؟‘ فيجيبه آخر: ’نعم.‘ مع أنه يعتقد خلاف ذلك وأن البيض والسود يجب أن يكونوا متساوين في الحقوق، إلا أن ذكره هذه "الحقيقة" يتطلب منه الإستعداد للتضحية بمكانته بين أقرانه ولذلك يختار إنكارها. وتسأل الزوجة زوجها: ’هل تُقيم علاقة مع امرأة أخرى؟‘ فيجيب ’لا.‘ ثم تنكشف الحقيقة وتنهار الحياة الزوجية، أو تبقى الحقيقة مستورة ويبدأ الزوج في التصدع داخلياً في استقراره النفسي وطمأنينته. فحتى نقبل التضحية تلزمنا الشجاعة، وبالشجاعة فقط نقف إلى جانب الحق والحقيقة. أو يمكن وضع المسألة في شكل آخر: قول الصدق يلزمه التضحية.
والمعنى الثاني للتضحية يتعلق بالنموّ والتطوّر. ففي السعي نحو نفس متكاملة يتطلب الأمر الإتّصاف بفضائل روحانية من قبيل: الصدق والوحدة والخدمة. وحتى نفوز بها يجب أن نكون مستعدين للتضحية بما نحن فيه من تعلق بالجانب الغرائزي من طبيعتنا. وبكلمات أخرى علينا أن نكون على استعداد لتطهير غرائزنا وتزكيتها. ولكن كيف يكون ذلك؟ فلنأخذ مثلاً ثلاث غرائز رئيسية: الجنس، الجوع، الأمان.
فالجنس اتّخذ شكله الطاهر، عبر التاريخ وفي جميع الثقافات، بشِرعة الزواج. أما في وقتنا الحاضر، مع ضحالة قيمنا واعتبارها غير هامة، أصبح الجنس سلعة يتاجر بها العموم، وبالتالي فَقَدَ الزواج قدسيته وطهارته، وهوت العلاقات الجنسية إلى الحضيض. فلم تعد عفيفة طاهرة وفَقَدَ الحب أيضاً قدسيته.
والجوع يأخذ شكله المقدس إذا جعناه في سبيل إشراك غيرنا من المعوِزين بطعامنا، وكذلك الأمر في إطاعتنا فريضة الصيام. ففيه تقديس لجوعنا وطعامنا في آن معاً، وبه نتنبّه إلى الجوع وكأنه ظاهرة إنسانية جماعية. أما في وقتنا الحاضر فنجد أن الطعام لم يعد بمفهومنا شيئاً مقدساً، إذ نلاحظ في جزء من العالم إفراطاً في تبذيره وتبديده بينما الناس في أقطار أخرى يموتون جوعاً، ويتم هذا أحياناً باسم حماية الوضع الإقتصادي عند أولئك الذين يُتلفون مواداً غذائية، أو من أجل حماية نفوذ سياسي في بعض البلدان الفقيرة.
وحاجة الفرد إلى الأمان هي غريزة بشرية، وفي أبسطها يحاول الناس توفيره لأنفسهم ترجمةً لأنانيتهم. فهذا الإتجاه المدمّر في التركيز على الذات يكوِّن موقفاً يؤدي إلى خلق عالمٍ تتكدّس فيه أسلحة فتاكة قادرة على تدميره عدة مرات. فأماننا لا يتحقق بأمان الفرد أو مجموعة معينة، بل بسلام يفرد جناحيه على عموم الجنس البشري – ثمرة وحدتنا. وفي سبيل تحقيق وحدة عالمية علينا أن نضحي بمشاعر الأمان التي توهّمناها بأنانيتنا، وأن نغدو على استعداد لاكتساب فضيلة الوحدة الروحانية أولاً والتي بدورها ستمنحنا الأمان الشخصي. من كتاب-( سيكولوجية الروحانيّة-من نفس منقسمة إلى نفس متكاملة-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التحوُّل الروحاني: المفهوم والتطبيق -الصلاة والدعاء والتأمل
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اللمة المغربية النسائي :: المنتديات الاجتماعية :: منتدى الاستشارات والمشاكل الاجتماعية :: قسم المؤازرة والدعاء-
انتقل الى: